الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

نفحات الولاية

بِمُعْتَبَر « 1 » مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا « 2 » وأَسْقَامِهَا ، وحَلَالِهَا وحَرَامِهَا ، ومَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّة ونَار ، وكَرَامَة وهَوَان » . إشارة إلى أنّ الأنبياء عليهم السلام وإضافة لما سبق ينشدون ثلاثة أهداف مهمّة أخرى لهداية الناس ؛ فذكر في البداية الدروس والعبر التي تختزنها هذه الحياة العابرة ، ومن ذلك أننا نرى بعض الأفراد الأصحاء والأقوياء الذين سرعان ما يهجم عليهم المرض فيسلبهم قدرة الحركة ويسير بهم إلى حافة الموت ، وإذا بهم ينهضون فجأة ليستأنفوا نشاطهم من جديد ، والآخر بيان الحلال والحرام الذي يشكل جانباً مهماً من دعوة الأنبياء ويمثل الحد الفاصل بين المنطقة الآمنة والمحظورة . والثالث بيان الثواب والعقاب المادي والمعنوي - المادي مثل الجنّة والنار والمعنوي مثل الاحترام والتحقير - فكلّ هذه الأمور من شأنها أن تكون دافعاً لطاعة اللَّه « 3 » . العبارة : « لِيَهْجُمُوا » إشارة إلى أنّ أنبياء اللَّه يخوضون في أهداف الدعوة من خلال بياناتهم البلاغية وتعبيراتهم المؤكدة والتي تفعل فعلها في نفس المخاطب . ثم عاد الإمام عليه السلام في ختام هذا القسم إلى حمد اللَّه والثناء عليه فقال : « أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ » . وقد اختلف شرّاح نهج البلاغة في مفهوم هذه العبارة ، ولكن بالنظر إلى العبارة « اسْتَحْمَدَ إِلَى فلان » التي تعني أنّه عامله بإحسان ليحمده « 4 » يصبح معنى العبارة

--> ( 1 ) . « معتبر » اسم مفعول من مادة « عبرة » تعني في الأصل العبور من شيء ، ويقال العبرة للحوادث التي يعتبر بهاالإنسان كونها تعبر الإنسان من شيء إلى آخر ، وعليه فالمعتبر يطلق على كلّ أساس لعبرة واتعاظ . ( 2 ) . « مصاح » جمع « مصحّة » بمعنى اسم المصدر من مادة « صحة » تعني الصحة والعافية . ( 3 ) . كثرت أقوال شرّاح نهج البلاغة التي لا تخلو من تكلّف في تفسيرهم لهذه العبارات والمعطوف عليه في العبارة ( حلالها وحرامها . . . ) والأنسب أن تكون العبارة ( حلالها . . . وما أعد اللَّه . . . ) عطف على ( بمعتبر ) ليكون المعنى أنّ للأنبياء ثلاثة وظائف أخرى والتي شرحناها آنفاً . ( 4 ) . المعجم الوسيط ، مفردة « حمد » .